عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

442

اللباب في علوم الكتاب

أي : لا يسألون الناس ، وإنّما أمكنهم ترك السؤال عندما ألحّوا على النفس ، ومنعوها بالتكليف الشّديد عن ذلك السؤال ، ومنه قول عمر بن الخطّاب : [ الوافر ] 1249 - ولي نفس أقول لها إذا ما * تنازعني : لعلّي أو عساني « 1 » وثالثها : أنّ من أظهر من نفسه آثار الفقر ، والمذلّة ، والمسكنة ؛ ثم سكت عن السؤال ، فكأنّه أتى بالسؤال الملحّ الملحف ؛ لأن ظهور أمارات الحاجة ، تدلّ على الحاجة ، وسكوته يدل على أنه ليس عنده ما يدفع تلك الحاجة ، ومتى تصوّر الإنسان من غيره ذلك ، رقّ له قلبه جدّا ، وصار حاملا له على أن يدفع إليه شيئا ، فكان إظهار هذه الحالة هو السؤال على سبيل الإلحاف ، فقوله : « لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً » معناه : أنهم سكتوا عن السؤال ، لكنّهم لا يضمّون إلى ذلك السكوت من رثاثة الحال ، وإظهار الانكسار ما يقوم مقام السؤال على سبيل الإلحاف ، بل يزيّنون أنفسهم عند الناس ، ويتجملون عند الخلق ، ويجعلون فقرهم وحاجتهم بحيث لا يطلع عليها إلّا الخالق . فصل [ في السؤال عن الناس ] قال ابن عبد البرّ « 2 » : من أحسن ما روي من أجوبة الفقهاء في معاني السّؤال وكراهيته ومذهب أهل الورع فيه . ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل ، وقد سئل عن المسألة ، متى تحل ؟ قال : إذا لم يكن عنده ما يغدّيه ويعشيه ، قيل لأبي عبد اللّه : فإن اضطرّ إلى المسألة ؟ قال : هي مباحة إذا اضطر . قيل له : فإن تعفّف ؟ قال : ذلك خير له ، وقال : ما أظن أنّ أحدا يموت من الجوع ؛ اللّه يأتيه برزقه ، ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدريّ : « من استعفف أعفّه اللّه » . قال أبو بكر : وسمعته يسأل عن الرجل الذي لا يجد شيئا ؛ أيسأل الناس ، أم يأكل الميتة ؟ فقال : أيأكل الميتة ، وهو يجد من يسأله ؟ هذا شنيع . قال القرطبيّ « 3 » : فإن جاءه شيء من غير سؤال ، فله أن يقبله ولا يرده ؛ إذ هو رزق رزقه اللّه ، لما روي أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أرسل إلى عمر بن الخطّاب بعطاء ، فردّه ؛ فقال له رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « لم رددته ؟ » فقال : يا رسول اللّه ، أليس أخبرتنا أنّ خيرا لأحدنا ألّا يأخذ شيئا ؟ فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « إنّما ذاك عن المسألة ، فأمّا ما كان من غير مسألة ،

--> ( 1 ) ينظر تذكرة النحاة ص 440 ، خزانة الأدب 5 / 337 ، 349 ، شرح أبيات سيبويه 1 / 524 ، شرح التصريح 1 / 213 ، شرح المفصل 2 / 120 ، 7 / 123 ، الكتاب 2 / 375 ، المقاصد النحوية 2 / 229 ، أوضح المسالك 1 / 330 ، الجنى الداني ص 466 ، الخزانة 5 / 363 ، الخصائص 3 / 5 ، رصف المباني ص 249 ، شرح المفصل 3 / 10 ، 118 ، المقتضب 3 / 72 ، المقرب 1 / 101 . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 223 . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 223 .